الشيخ محمد هادي معرفة

401

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

فإن قلت : ما فائدة هذا التوكيد يعني في قوله : « إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ » ؟ قلت : فائدته أنّ قوله : « لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ » هو توحيد ، وقوله : « قائِماً بِالْقِسْطِ » تعديل ، فإذا أردفه بقوله : « إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ » فقد آذن أنّ الإسلام هو العدل والتوحيد ، وهو الدين عند اللّه ، وما عداه فليس عنده في شيء من الدين . وفيه : أنّ من ذهب إلى تشبيه ، أو ما يؤدّي إليه كإجازة الرؤية ، أو ذهب إلى الجبر الذي هو محض الجور ، لم يكن على دين اللّه الذي هو الإسلام ، وهذا بيّن جليّ كما ترى « 1 » . * * * وعند تفسيره لقوله تعالى : « قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ » « 2 » ، قال : « ثمّ تعجّب من المتّسمين بالإسلام ، المتّسمين بأهل السنّة والجماعة ، كيف اتّخذوا هذه العظيمة مذهبا ، ولا يغرّنك تستّرهم بالبلكفة « 3 » فإنّه من منصوبات أشياخهم ! والقول ما قال بعض العدليّة فيهم : لجماعةٌ سمّوا هواهم سُنّةً * وجماعةٌ حُمُرٌ لعمري موكفة « 4 » قد شبّهوه بخلقه وتخوّفوا * شَنْعَ الورى فتستّروا بالبلكفة وحمل الآية على أنّها ترجمة عن مقترح قومه وحكاية لقولهم . وتفسير آخر ، وهو : أن يريد بقوله : « أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ » عرّفني نفسك تعريفا واضحا جليّا ، كأنّها إراءة في جلائها بآية ، مثل آيات القيامة التي تضطرّ الخلق إلى معرفتك ، أنظر إليك : أعرفك معرفة اضطرار ، كأنّي أنظر إليك ، كما جاء في الحديث : « سترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر » بمعنى : ستعرفونه معرفة جليّة هي في الجلاء كإبصاركم للقمر إذا

--> ( 1 ) - . الكشّاف ، ج 1 ، ص 344 - 345 ؛ راجع : التفسير والمفسّرون ، ج 1 ، ص 464 - 467 . ( 2 ) - . الأعراف 143 : 7 . ( 3 ) - . لأنّهم قالوا : إنّه يُرى بلا كيف ، أي لا تسأل عن كيفيّة رؤيته تعالى . والبلكفة مخفّفة ذلك . وعدّ الزمخشريّ ذلك ذريعة للتخلّص من مأزق القول بالجسميّة والقول بالجهة ، فهو من منصوبات أشياخهم ، أي شبكات يتصيّدون بها الضعفاء . ( 4 ) - . أي موضوع عليها الإكاف وهي البرذعة . وهي بمنزلة السرج للفرس .